كود اعلان

مساحة اعلانية احترافية

آخر المواضيع

ندوة :علاء الاسوانى مرض الإستبداد


علاء الاسوانى
إيهاب محمود الحضري

مساء الخميس الماضي 16 نوفمبر، وفي دار ميريت للنشر بالقاهرة، كان استقبال عشرات الشباب للدكتور علاء الأسواني حافلًا. عدد الواقفين يماثل أو يكاد يفوق عدد الجالسين على الكراسي. الكل في شغف إلى لقاء كان يحدث أسبوعيًا، حيث يجلس الأسواني ليلقي محاضرة في مسألة فكرية أو سياسية أو ربما ناقش عملًا أدبيًا، ولكن مع تولي الرئيس السيسي حكم مصر وإحكام السلطة الأمنية قبضتها على الأمور، بات من الصعب إقامة الندوة كل أسبوع، بات من الصعب إقامتها أصلًا للدرجة التي فرضت أن تقام الندوة ثلاث مرات فقط خلال عشرة شهور مضت.

تحدث الأسواني عن التضييق الأمني للنظام المصري الحالي وتَعرُض الناشر محمد هاشم، صاحب دار ميريت ومنظم الندوة، لضغوطات ومضايقات أمنية كثيرة لمنع استضافة الأسواني وهو ما يعبر عن تأكيد هذا النظام على معاداته للحريات وإصراره على مصادرة المجال العام سياسيًا واجتماعيًا وفكريًا.

لا يمكن فصل السياسي عن الثقافي لأن الأسواني يرى أن لا ثقافة بدون سياسة ومن المستحيل أن تُعقد ندوة ثقافية دون الاشتباك مع السياسة والتعرض لها ومحاولة فهم طريقة النظام السياسي للتعامل مع الملفات المختلفة وزوايا تناولها.

للأسواني كتاب جديد سيصدر بالإنكليزية في لندن نهاية العام القادم 2018. اسمه "متلازمة الاستبداد" وهو الاسم الذي يقارب إلى حد كبير عنوان ندوته "مرض الاستبداد" حيث يتناول الأسواني في كتابه الاستبداد كمرض وكيف يمكن أن يكون مزمنًا لا شفاء منه والدول الأكثر عرضة لهذا المرض وأسبابه ودوافعه.

نظريات كثيرة لمستشرقين ذهبوا إلى أن الشعوب الإسلامية هي الأكثر عرضة للاستبداد، التي، بتكوينها النفسي، تكون مؤهلة للتعاطى والرضوخ لحاكم ديكتاتور مستبد يقعمها وهو واثق أنها لن تقاوم، غير أن الأسواني يرى عكس ذلك ويؤكد أن مجتمعات مسيحية كثيرة عاشت تجارب حكم استبدادية وعانت من الحكم المطلق لسنوات وهو ما يهدم هذه الفرضية تمامًا، ولكن يرى صاحب "عمارة يعقوبيان" أن استسلام فئات من الشعب المصري مثلًا للمستبد وعدم تمسكها بالحرية ربما يعود إلى بعض التأثر بمتلازمة ستوكهولم، حيث التوحد مع القاهر الذي لا فكاك منه للدرجة التي تفرض الإيمان به والتسليم لما يفعل والثقة في ما يقول دون تفكير أو محاولة للفهم.

في الثامن من مايو لعام 1945 أعلن ونستون تشرشل، رئيس وزراء بريطانيا وقتذاك، عن أن ألمانيا ستوقع على استسلام غير مشروط لبريطانيا. كان ذلك خلال الحرب العالمية الثانية. هلل البريطانيون واعتبروا تشرشل قائدًا عظيمًا في حين رأى هو أن النصر الذي تحقق يعود إلى عزيمة الجندي البريطاني وانتمائه لبلده وشجاعته. بعد أسابيع كان هذا المواطن البريطاني يصوت في غير صالح تشرشل خلال الانتخابات البريطانية. خسر تشرشل وكان منطق الإنكليز بسيطًا: تشرشل قائد عسكري عظيم حقق نصرًا عالميًا لبريطانيا، ولكنه ليس الأصلح لقيادة البلاد في مرحلة ما بعد الحرب!

في المقابل، وبعد 22 سنة، كان الرئيس جمال عبد الناصر يخطب في شعبه المقهور عقب هزيمة يونيو 1967 مخبرًا إياه أنه يتنحى عن منصبه كرئيس للجمهورية، فيخرج المصريون باكين متوسلين له ألا يتركهم: "لازم حد يمسكنا. لو جمال مشي مين يمسكنا؟ " كان هذا رد أحد المواطنين على والد علاء الأسواني في ذلك اليوم عندما سأله عن بكائه ورعبه مخافة أن يترك عبد الناصر السلطة.

يفسر صاحب "شيكاغو" المسألة على أنها حالة من الإيمان المطلق بالمستبد، التسليم له. هي ليست حالة مزيفة وليس حبًا أو إيمانًا مدفوع الأجر ولكنها قناعة عن يقين، وهو قبل كل شيء تكوين نفسي له أصول متجذرة ساعد على ترعرعه إعلام مضلل لا يختلف مطلقًا عن إعلام اليوم الذي تستخدمه السلطة لتكميم الأفواه وغسيل المخ ومحاولات طمس الهوية وتبديل مفهوم الانتماء واختزال الدولة في الحاكم فقط وتصدير كل فكرة تنتقده على أنها محاولات مدفوعة الأجرة لزعزعة الاستقرار وتهديد السلام القائم: "متى عرفنا الاستقرار؟ وما هو السلم العام هذا الذي يتحدثون عنه؟" يتساءل الأسواني ساخرًا عن مصطلحات معلبة تخلو من أي إبداع وغرضها الدائم هو اقتياد أحدهم لغرفة تحت الأرض يفارق فيها الحياة.

يفرق الأسواني بين الديكتاتورية والفاشية. يرى أن الأولى هي سلطة مطلقة بلا فلسفة حكم أو تصور ما في حين يرى أن الفاشية سلطة مطلقة لها عقيدة وهو ما يميزها عن الديكتاتورية، إذ تعتبر الفاشية أشمل وأوسع تأثيرًا. الفاشية أيضًا سياسية ودينية، وهذه الدينية لها خطورة ضخمة وهو ما دفع الأسواني أن يكرر دعوته إلى فصل الدين عن الدولة حيث، في رأيه، لا قيام لدولة تربط الدين بالدولة وهنا لا بد من التفريق بين الدولة والمجتمع: "أنا مع فصل الدين عن الدولة وسأظل أنادي بذلك لأن العلاقة الدينية طرفاها العبد وربه، أما فصل الدين عن المجتمع فلا أوافق عليه لأنه يعني إغلاقا للمساجد والكنائس ومنع جميع أشكال العبادات وهذا غير مقبول عندي".

أعلن الأسواني موقفه بوضوح من الانتخابات الرئاسية المقبلة في مصر بعدما أعلن المحامي خالد علي خوض الانتخابات أمام الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي: "صوتي لخالد علي طبعًا. والمشاركة مطلوبة".

في نظر صاحب "نادي السيارات" فإن مقاطعة الانتخابات تصرف سلبي حتى في حالة اليقين من تزويرها وفوز السيسي بولاية ثانية، ولكن المشاركة ستخلق قدرًا من المعارضة الغائبة تمامًا الآن، ستقول إن هناك من يرفض وجود النظام الحالي وإن عدد الرافضين ليس عشرات أو مئات، بل هم ملايين لو أُتيحت لهم انتخابات نزيهة، وفيما يخص الضمانات الانتخابية يرى الأسواني أن كلام خالد علي مقنع في هذه المسألة عندما تحدث عن ضرورة انتزاع هذه الضمانات وأن الناخبين أنفسهم سيحققون ذلك، موضحًا أن روح يناير ستعود وأن الثورة لم تمت وهذا النظام وكل الأنظمة العربية الديكتاتورية ستزول: "مشهد حسني مبارك في القفص له دلالة كبيرة. هذا العصر انتهى، والنظام الحالي سيزول. المسألة مسألة وقت فقط".

صدرت لعلاء الأسواني ثلاث روايات: "عمارة يعقوبيان"، "شيكاغو"، ورواية "نادي السيارات"، وانتهى الآن من رواية جديدة ولكنها لن تنشر في مصر.

الأسواني الممنوع من الكتابة في الصحف المصرية منذ أربع سنوات قال: "للأسف لن تنشر الرواية الجديدة في مصر. لم أستطع فعل ذلك، ولكني سأحاول، سأحاول، الاتفاق على طبعة ثانية منها في مصر".

وعلى الرغم من العلاقة الجيدة التي تربط الأسواني بدار الشروق التي تعامل معها أكثر من مرة، وعلى الرغم أيضًا من أن الأسواني كاتب جماهيري ترغب أي دار نشر مصرية في التعاقد معه وبشروطه، إلا أن دار الشروق لن تنشر الرواية ولأسباب لم ترد الدار أن تعلن عنها، كما أن باقي الدور لم تفعل وفيما يبدو، والكلام تؤكده نبرة الأسواني الحزينة، أن هناك تضييقًا أمنيًا من أن ينشر الأسواني شيئًا في مصر. هو ممنوع من كتابة المقالات في الصحف وها هم الناشرون يغضون الطرف عن رواياته.

إرسال تعليق

0 تعليقات

إعلان أعلى كل موضوع

مساحة اعلانية احترافية

التصميم

مساحة اعلانية احترافية
مساحة اعلانية احترافية