كتب: امانى محمود
أكثر من قرن على ( حادثة دنشواى ) ، من الجانى ؟ :
...............................................................
منذ أكثر من مائة عام و بالتحديد فى صيف عام ( 1906 ) ، عندما كان ما كان فى قرية دنشواى الشهيرة ، و تم الحُكم على أربعة مصريين بالإعدام ، بينما قُتل خامس بأيدى جنود إنجليز و ماتت فلاحة برصاصهم ، أعتبر المصريون أن ما حدث مجزرة فى حق فلاحى دنشواى ، نعم ... لقد إعتبروا أن موت ستة مصريين ، لم يكن يتوقع احد ان يموت العشرات يومياً فى اعمال عنف كالتى تحدث الآن .
فقام ( مصطفى كامل ) على خلفيتها بكتابة مقالات نارية فى الصحف الفرنسية ، و فى صحفهم الإنجليزية ليصف الحادث و يرويه .
تفاصيل الحادثة :
...................
لم تتفق الروايات على وفاة الفلاحة التى صوب عليها الضابط الإنجليزى بندقيته ، فالبعض أكد وفاتها و البعض قال بإصابتها ، بينما قررت إحدى الروايات أنها فقدت الوعى نتيجة مرور الرصاصة بالقرب منها ، و كانت الحدثة بعد ظهيرة الثالث عشر من يونيه عام 1906 .
إتفق أن نزل للقرية ( مسرح الأحداث ) خمسة من الضباط الإنجليز ( و الذين وصولوا من إنجلترا إلى مصر( ضمن 150 من الضباط و العساكر )، إلى الأسكندرية و منها كانوا متجهين للقاهرة ، فتوقفوا أثناء الطريق بالقرب من منوف و عسكروا هناك ) ، فأراد هؤلاء الإنجليز الخمسة صيد حمام فى القرية ، و من الواضح أنه لم يكُن منهم من يُجيد اللغة العربية .
و إنقسم الضباط الإنجليز لفريقين احدهما خرج على السكة الزراعية لصيد الحمام من فوق الأشجار ، و هذا الفريق لم يتسبب فى الواقعة ، و لكن ما فعله فريق الصيد الإنجليزى الآخر هو ما أشعل شرارة الحادث الأولى ، حيث دخل الضباط الإنجليز أرض (مؤذن جامع القرية ) و التى تقع بها (بنية) برج حمام ، و كذلك جرن قمح ، فقام احد الفلاحين الشيوخ و الذى تجاوز الخامسة و السبعين بالصراخ فيهم بأن لا يطلقوا أعيرتهم النارية لكى لا تندلع النيران فى جرن القمح ، و بالطبع لم يعر هؤلاء الضباط ذلك العجوز أى إهتمام ، و لم يكترثوا لصراخه ، الذى لم يفهموه بالطبع ، فأطلق احدهم الرصاص من بندقيته لتصيب زوجة مؤذن القرية .
هنا تنطلق صيحة فلاح بالقرية ( الضابط الإنجليزى قتل المراة و حرق الجرن ) ، فيتجمع الأهالى و الأطفال و النساء الغاضبين ، فيحاول الضباط الإنجليز حماية انفسهم ، فيفشلوا و ينقض عليهم الأهالى و يُحاط بهم .
لكن لإثنين منهم أفلتا من دائرة الغضب تلك و أخذا يركضان لمسافة ثمانية كيلو مترات ، حتى سقط أحدهما فتركه الاخر و إستكمل عدوه حتى معسكر كتيبتهم على الترعة الباجورية و أبلغ عن الحادث .
خرج رجال الكتيبة الإنجليز ، فى إتجاه دنشواى ، و فى طريقهم وجدوا زميلهم ملقى أرضاً و الذى سبق ان سقط أثناء عدوه ، حيث انه لم يتحمل حرارة الجو و قيظه فمات ، و كان بجواره احد الفلاحين البسطاء و الذى كان يحمل له ماءاً محاولاً إسعافه ، فما كان منهم إلا أن قتلوا الفلاح وخزاً بسُنكى بنادقهم و أوسعوه ضرباً حتى هشموا راسه فصرعوه .
رد الفعل :
...........
لم يتحمل الإنجليز وقع خبر موت احد ضباطهم ، و لم ينتظروا السلطات المحلية ، بل إنهم دخلوا للقرية و قبضوا على الأهالى ، بدايةً من الرجل المُسن الذى حذر الضباط من إطلاق الرصاص مروراً برجال و شباب القرية حتى إنهم قبضوا على صبى فى الخامس عشر من العمر ، حدث هذا بمعرفة جنود الإحتلال و بأوامر قادتهم .
المحاكمة :
..........
تم نصب المشانق فى القرية قبل بدء المحاكمة التى أصابها العوار من كل ناحية ، فقد تم تشكيل هيئة محكمة خصيصاً لتلك الواقعة من المصريين الموالين للإنجليز ، فكان إجراء المحاكمة تحصيل حاصل .
الأحكام :
........
المتهمون كانوا (52) متهم و لكن الأحكام صدرت متنوعة ضد (21 ) متهم فقط حيث تم الحكم على أربعة مصريين منه بالإعدام شنقاً ، و باقى المتهمين تباينت مدد سجنهم بين المؤيد و الخمسة عشر عام و السبعة الثلاثة سنوات مع الجلد ، بينما تم الحُكم بالجلد فقط على البعض الآخر، مع مراعاة تنفيذ حُكم الجلد فى ذات يوم تنفيذ الإعدام وكل هذا فى نفس مكان موت الضابط الإنجليزى .
الظالم و المظلوم مصريين :
...............................
أبطال الظلم و سدنته كانوا مصريى الجنسية و هم من رجال القضاء :
1- بطرس غالى ناروز - و هو رئيس تلك المحكمة و بوصفه ناظر الحقانية
2- أحمد فتحى زغلول - عضو المحكمة بوصفه رئيس المحكمة الأهلية
3- إبراهيم الهلباوى - ممثل سلطة الإتهام عن الإنجليز
و قد نال كلاً منهم عاراً ما بعده عار و مهانة لما بقى له فى دنياه ، طالت ام قصرت و كانت مصائرهم كالتالى :
1- بطرس غالى ناروز :
تم تكريمه على خدماته و صعد نجمه فأصبح رئيساً فيما بعد لوزراء مصر و فى 1910 تم إغتياله لعمالته و خيانته على يد أحد اعضاء الحزب الوطنى و هو الشاب / إبراهيم الوردانى طالب الصيدلة( وكان مصرى القلب قبطى الديانة )و الذى آثر أن يقتله بنفسه مهما كلفه هذا حتى لا يتم توصيف الحادث بشكل طائفى .
2- أحمد فتحى زغلول :
لطالما عيروا به أخيه ( سعد باشا زغلول ) حيث كتب الرجل و خط بيمناه حيثيات الأحكام الجائرة تلك ، ثم إنه تم مكافئته بأن عينوه وكيلاً للحقانية ، و احتفوا به ، فطلبوا من أحمد بك شوقى كتابة قصيدة بمناسبة تكريمه تلك فى فندق شبرد ، لترقيته ، فإستمهلهم شوقى بك ، واعداً إياهم بأنه سيرسل قصيدة المدح و الثناء تلك يوم التكريم ليتم قراءتها على الحضور ، و كان أن أرسلها بالفعل مع مخصوص ليفتحوها فيجدوا فيها تلك الأبيات الصادمات :
إذا جمعتم أمركم وهممتوا بتقديم شئ للوكيل ثمين
خذوا حبال مشنوق بغير جريرة وسروال مجلود وقيد سجين
ولا تعرضوا شعري عليه فحسبه من الشعر حكمُ خطه بيمين
ولا تقرأوه في شبرد بل فاقرأوا على ملأٍ في دنشواي حزين
و لم يُعمر أحمد فتحى زغلول كثيراً ، ( فقد مات ذليلاً منسياً إلا من عاره ) فى عام 1914 أى بعد ثمانى سنوات فقط من حادثة دنشواى المشئومة .
3- إبراهيم الوردانى :
و الذى عمل بالقضية كممثل لسلطة الإدعاء ، نعاتاً الفلاحين البسطاء بالسفلة و الأراذل ناكرى الجميل لمن يحاولون مدينتنا من كرام الإنجليز .
ظل الرجل على قيد الحياة و مات طاعناً بعد أن تجاوز الثالثة و الثمانين من العمر ، عاشها فى ذل و هوان محاولاً التكفير عن ذنبه .
حاول الهلباوى جاهداً ان يمحو خطيئته تلك حتى انه عندما تم إغتيال بطرس غالى قام بالدفاع عن قاتله ( إبراهيم الوردانى ) و ذهب إلى المحكمة قائلاً :
(المصريون كلهم كرهوا محاكمة دنشواى ، واحتقروا كل من شارك فيها ودافع عن المحتلين الإنكليز.. ولست هنا في مقام التوجع و لا الدفاع عن نفسى.. ومع ذلك أستطيع أن أؤكد أن الشعب المصري يحتقر كل من يدافع عن المحتلين أو يأخذ صفهم أو يبرر جرائمهم.. وأؤكد أيضا أن مواطنينا لم يقدروا الظروف التى دفعتنى أنا وغيرى إلى ذلك.. لهذا جئت للدفاع عن الوردانى الذى قتل القاضي الذى حكم على أهالى دنشواى بالإعدام.. جئت نادما استغفر مواطنينا عما وقعت فيه من أخطاء شنيعة.. اللهم إنى استغفرك وأستغفر مواطنينا )
أبطال نطقوا بالحق الضائع :
................................
هناك رجلان شهدا امام المحكمة ( التى منحت المتهمين 30 دقيقة للدفاع عن انفسهم ) و هذا الرجلان لم يتراجعا رغم تجاهل السلطات و المحكمة لشهادتهما فهما على كل الأحوال قد أبرءا ذمتهما ، و هما الطبيب الشرعى البريطانى والذى اقر أمام المحكمة بأن الضابط المتوفى قد مات متاثراً بضربة الشمس ، والآخر رجل شرطة أقر أمام المحكمة بان الضباط الإنجليز هم من بدأوا بإطلاق النار و لم يبدأهم الأهالى بالإعتداء ( بالعصى و الطوب ) .
إن الإمبراطورية البريطانية خسرة خسارة فادحة فى حربها ضد قرية دنشواى المكلومة ، فقد إضطرت بريطانيا لسحب اللورد /كرومر قبل حلول العام التالى على الحادث و ذلك على خلفية حراك و إضطرابات داخل مصر ترتبت على الأحكام الجائرة تلك ، و كذا تأليب الراى العام فى أوروبا بفعل مقالات مصطفى كامل غن الحادث ، و ذلك على الرغم من أن اللورد /كرومر كان يعمل بمصر لمدة خمسة و عشرون عاماً .
كان للحادث تاثير كبير حتى ان الكاتب الشهير جورج برنارد شو كتب :
«إذا كانت الإمبراطورية البريطانية تريد أن تحكم العالم كما فعلت في دنشواى.. فلن يكون على وجه الأرض واجب سياسى مقدس وأكثر إلحاحا من تقويض هذه الإمبراطورية وقمعها وإلحاق الهزيمة بها».
رحم الله كل من قضى من المصريين دفاعاً عن أرضه او ماله أو عرضه ، رحم الله شهداء دنشواى فالمجد لهم و أين هم اليوم من جلاديهم و أذنابهم .
---------------------------------------------------------------------------------------------
اكسجين مصر


0 تعليقات
أكتب تعليق على الموضوع