كتب: امانى محمود-محمد اكسجين
كان يا ما كان ... يا عدل يا إنصاف :
...................................................
فى عهد الرئيس / أنور السادات ، قامت الدولة برفع أسعار بعض السلع الأساسية بشكل مفاجئ و بدون سابق إنذار ، فما كان إلا أن خرجت الجماهير للشوارع فيما أطلق عليه السادات فيما بعد بأحداث ( إنتفاضة الحرامية ) ، و كان ذلك فى 18 و 19 يناير 1977 .
إستنفرت الحكومة كافة قواتها الأمنية و الشُرطية ، بعد حدوث اعمال تخريب ، كان من الطبيعى حدوثها فى مثل تلك الأزمات الأمنية ، و بالطبع كان من الضرورى ان تقوم الدولة بالقبض على عدد ممن يعملون فى الحقل السياسى المعارض ، بدعوى تدبيرهم لتلك الأحداث الدامية ، فتم القبض على عدد ( 176متهماً ) و تم توجيه تهمة ( قلب نظام الحُكم ) لهم جميعاً .
شعور الدولة بإهتزاز الأرض تحت أقدامها جعلها تتعامل بعصبية مع الحدث ، حيث تردد فى بعض الأروقة السياسية ان الرئيس / السادات كان ينتوى أن يستقل و أسرته إحدى الطائرات لمغادرة مصر و السفر للسودان ملتمساً الأمن ، نظراً لشدة موجة المواجهات فى الشوارع و شعوره بأن الخطر أصبح محدقاً به هو شخصياً ، مما جعله غير قادر على أن يغفر أو يتجاوز عما كان .
تم تحويل كافة المتهمين للمحاكمة و كانت التهمة ( قلب نظام الحُكم ) ، و حدث أن تم إسناد القضية للقاضى الجليل المستشار / حكيم منير صليب ( رحمه الله ) .
إعتقد الرئيس / السادات أن المحكمة ستأخذ فى الحسبان الرغبة الرئاسية و سنحاز لها ، و تقوم بإصدار احكاماً رادعة بحق المتهمين و معظمهم من التيار اليسارى ، و للحق لقد شعر المتهمون ذاتهم بهذا ، بل و الرأى العام كله كان يتجه للإقتناع بأن هذا هو ما سيحدث .
و لكن تأخذ الجميع المفاجأة المدوية ، فقد قام المستشار / حكيم منير صليب بإصدار حكماً صاعق ، لقد حكم الرجل ببراءة جميع المتهمين (176 متهماً ) من كافة التهم المنسوبة إليهم .
لم يكتفى المستشار / صليب بذلك بل إنه قام بمحاكمة النظام ذاته و توجيه اللوم له ( ضمنياً ) و كان هذا فى ثنايا حيثيات حكمه بالبراءة و الذى جاء فيه الآتى :
(( والذي لا شك فيه و تؤمن به هذه المحكمة ويطمئن إليه ضميرها ووجدانها, أن تلك الأحداث الجسام التي وقعت يومي 18 و19 يناير 1977 كان سببها المباشر والوحيد هو إصدار القرارات الاقتصادية برفع الأسعار, فهي متصلة بتلك القرارات اتصال المعلول بالعلة والنتيجة بالأسباب، ولا يمكن في مجال العقل والمنطق أن ترد تلك الأحداث إلي سبب آخر غير تلك القرارات, فلقد أصدرت علي حين غرة وعلي غير توقع من أحد، وفوجئ بها الناس جميعا بمن فيهم رجال الأمن، فكيف يمكن في حكم العقل أن يستطيع أحد أن يتنبأ بها ثم يضع خطة لاستغلالها ثم ينزل إلي الشارع للناس محرضا ومهيجا ))
و إستمر قاضينا الشريف فى توجيه الضربات المتتالية للدولة فأستكمل حيثيات حُكمه قائلاً :
(( ولكن المحكمة وهي تتصدي لتلك الأحداث بالبحث والاستقصاء لعلها تستكشف عللها وأسبابها وحقيقة أمرها, لابد أن تذكر ابتداء أن هناك معاناة اقتصادية كانت تأخذ بخناق الأمة المصرية في ذلك الحين وكانت هذه المعاناة تمتد لتشمل مجمل نواحي الحياة والضروريات الأساسية للإنسان المصري, فقد كان المصريون يلاقون العنت وهم يحاولون الحصول علي طعامهم وشرابهم, ويجابهون الصعاب وهم يواجهون صعودا مستمرا في الأسعار مع ثبات في مقدار الدخول ))
و أردف قائلاً :
(( ثم إن المعاناة كانت تختلط بحياتهم اليومية وتمتزج بها امتزاجا, فهم مرهقون مكدودون في تنقلهم من مكان لآخر بسبب أزمة وسائل النقل، وهم يقاسون كل يوم وكل ساعة وكل لحظة من نقص في الخدمات, وفوق ذلك كان أن استحكمت أزمة الإسكان وتطرق اليأس إلي قلوب الناس والشباب منهم خاصة من الحصول علي مسكن وهو مطلب أساسي تقوم عليه حياتهم وتنعقد آمالهم في بناء أسرة المستقبل ))
و إستمر مهاجماً الدولة دون تزيد :
(( وسط هذه المعاناة والصعاب كان يطرق أسماع المصريين أقوال المسئولين والسياسيين من رجال الحكومة في ذلك الوقت تبشرهم بإقبال الرخاء, وتعرض عليهم الحلول الجذرية التي سوف تنهي أزماتهم, وتزين لهم الحياة الرغدة الميسرة المقبلة عليهم, وبينما أولاد هذا الشعب غارقون في بحار الأمل التي تبثها فيهم أجهزة الإعلام صباح مساء, إذ بهم وعلي حين غرة يفاجأون بقرارات تصدرها الحكومة ترفع بها أسعار عديد من السلع الأساسية التي تمس حياتهم وأقواتهم اليومية ))
ثم يُضيف مستشارنا الجليل / حكيم منير صليب ، القاضى السابح ضد التيار فى فقرة أخرى من حيثيات حُكمه :
(( هكذا دون إعداد أو تمهيد فأي انفعال زلزل قلوب هؤلاء الناس، وأي تناقض رهيب بين الآمال وقد بثت في قلوبهم قبل تلك القرارات, وبين الإحباط الذي أصابهم به صدورها, ومن أين لجل هذا الشعب ومعظمهم محدود الدخل أن يوائموا بين دخول ثابتة وبين أسعار أصيبت بالجنون و إذا بفجوة هائلة تمزق قلوب المصريين ونفوسهم بين الآمال المنهارة والواقع المرير, وكان لهذا الانفعال وذلك التمزق أن يجدا لهما متنفسا وإذا بالأعداد الهائلة من هذا الشعب تخرج مندفعة إلي الطرقات والميادين, وكان هذا الخروج توافقيا وتلقائيا محضا, وإذا بهذه الجموع تتلاحم هادرة زاحفة معلنة سخطها وغضبها علي تلك القرارات التي وأدت الرخاء وحطمت الآمال وحاولت جهات الأمن أن تكبح الجماح وتسيطر علي النظام ولكن أني لها هذا والغضب متأجج والآلام مهتاجة ))
لقد أبهر القاضى الجليل الجميع فها هو لا يكتفى بُحكمه ببراءة كافة المتهمين مما نُسب إليهم ، بل إنه أيضاً أشار بأصابع الإتهام لإخفاقات الدولة و تقصيرها فى حق بسطاء الوطن فكان أن ذكر فى كلماته (القاسيات على الدولة) عدد من إخفاقاتها :
-قلة الدخول
-صعوبة المواصلات
-مشكلات السكن
- ندرة فرص العمل
-الوعود الكاذبة بالرخاء التى اطلقها المسئولين
- إستغلال البث الإعلامى للترويج كذباً لمستقبل واعد
- نقص الخدمات الأساسية و إنهيارها
- ثبات الدخول فى مواجهة إرتفاع الأسعار
ثم أخيراً قام المستشار / حكيم منير صليب بإطلاق إسم ( إنتفاضة شعبية ) و كذلك ( إنتفاضة الخبز ) على ما كان من أحداث يناير ، فى تحداً واضحاً للنظام ، حيث سبق أن قام الرئيس / السادات بنعت الأحداث بأنها ( إنتفاضة الحرامية )
رحم الله القاضى الجليل ، فهكذا يكون القضاء المستقل لا ريب فيه .


2 تعليقات
تعرف على فارس القضاء(حكيم منير صليب )القاضى المصرى الوحيد الذي وقف ضد الظلم
ردحذفتعرف على فارس القضاء(حكيم منير صليب
ردحذفأكتب تعليق على الموضوع